ابن معصوم المدني

16

الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول - المقدمة

وكانت حضارة بلاد الشام هي الأخرى عريقة ، وترجع إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد ، وممّا أسّسته الدول الفينيقية في القرن الخامس والعشرين ق . م مدينة جبيل ، كما بنت مدينة بيروت ( بيريت ) في القرن الثاني والعشرين ق . م . وقد امتاز هؤلاء بأنّهم على جانب عظيم من المعرفة والتفوّق في العلوم والآداب والصناعة ، أما الآداب فقد ضربوا فيها بسهم عظيم ، ووضعوا الهجائية واختصروها إلى اثنين وعشرين حرفا بعد أن كانت عند البابليين والمصريين تعدّ بالمئات . وكانت حضارة جنوب شبه الجزيرة تتمثّل بحضارة الدولة المعينية في اليمن والدولة السبئية والحميرية ، اللتين كان أهلها على جانب عظيم من الرقيّ الصناعيّ والزارعيّ والعمرانيّ والثقافيّ ، وقد كانت كتاباتهم على الطريقة الحلزونية ، أي أنّها تبدأ من اليمين إلى الشمال ، فإذا انتهى الكاتب من السطر الأوّل وأراد كتابة السطر الثاني كتب من الشمال إلى اليمين . وكانت إلى جانب تلك الحضارات حضارة وادي النيل التي تعدّ هي الأخرى من أقدم وأعرق الحضارات المجاورة لشبه الجزيرة العربية ، وقد كان أهلها على جانب عظيم من الرقي والتحضّر في العلم والعمران والزراعة ، وقد بقي من مآثرهم العمرانية الأهرامات ، أبو الهول ، وغيرهما . كان هذا استعراضا للحضارات القديمة المجاورة لشبه الجزيرة العربية ، جئنا به للتمييز بين الوضع داخل الجزيرة وخارجها ، إذ الثابت جغرافيا أنّ أرض الجزيرة أرض صحراوية قاحلة ليس فيها ماء ولا كلأ ، وهي كما قال سبحانه حكاية عن لسان